محمد أبو زهرة
5055
زهرة التفاسير
عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل عندما سمعا الآية من قوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إلى قوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ، قالا : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : هكذا أنزلت « 1 » ، ونحن لا نرضى هذه الرواية ، ولكن ذكرناها ؛ لأنها تنبئ عن أن هذه الجملة السامية ثمرة طيبة للخلق السابق . والبركة أصلها من موضع برك الجمل ، وقد أطلقت على كل أمر خير ثابت ، فَتَبارَكَ معناها تسامى في البركة وعلا ، حتى لا يناهده أحد في خيره الدائم ، و أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ، أفعل التفضيل ليس على بابه إنما معناه أن خلق اللّه تعالى وصل إلى أعلى درجات الحسن ، بحيث لا يناصبه حسن قط ، وحقا لقد خلق اللّه الإنسان في أحسن تقويم ، كما قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) [ التين ] . وإن نهاية هذا الإنسان في الدنيا هي الموت ، ولم يخلق عبثا ، بل يكون بعد الموت البعث ؛ ولذا قال تعالى : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) . العطف ب « ثُمَّ » في موضعه ؛ لأن مؤداه أنهم بعد خلقهم في أحسن خلقة ، ومنهم من يرده اللّه تعالى إلى أسفل السافلين ، ويستمرون إلى أجل مسمى ، ضلوا فيه أو اهتدوا ، أخلصوا دينهم للّه أو كفروا ، وبعث فيهم الرسل مبشرين ومنذرين إنهم ، بعد هذا الدور لميتون ، وقد أكد سبحانه موت الناس مع أنه واقع مشاهد كل يوم يموت ناس ويولد ناس ، وكان التأكيد « أن » وبالجملة الاسمية ، وباللام وبالوصف ، ميتون وكان ذلك التوكيد لكيلا يغتر الناس بغرور هذه الدنيا ، وأنها إلى فناء مهما طالت ، وأن الحياة الآخرة هي الباقية الخالدة في سعادة ونعيم ، أو في شقاء وجحيم . وفي التعبير بالوصف ميتون إشارة إلى أن حياتهم في الدنيا كأنها الموت لأنه يترصدهم ، فلا يغتروا بغرورها ، وبعد الموت يكون البعث ، ولذا قال تعالى :
--> ( 1 ) رواه الطيالسي ، وابن أبي حاتم وابن مردويه ، وابن عساكر ، وهو صحيح . كما في كنز العمال ( 35747 ) : ج 1 / 2549 .